فخر الدين الرازي
469
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
واعلم أن الغين شيء يغشى القلب فيغطيه بعض التغطية وهو كالغيم الرقيق الذي يعرض في الجو فلا يحجب عن الشمس ولكن يمنع كمال ضوئها ، ثم ذكروا لهذا الحديث تأويلات أحدها : أن اللّه تعالى أطلع نبيه على ما يكون في أمته من بعده من الخلاف وما يصيبهم فكان إذا ذكر ذلك وجد غيماً في قلبه فاستغفر لأمته . وثانيها : أنه عليه الصلاة والسلام كان ينتقل من حالة إلى حالة أرفع من الأولى ، فكان الاستغفار لذلك . وثالثها : أن الغيم عبارة عن السكر الذي كان يلحقه في طريق المحبة حتى يصير فانياً عن نفسه بالكلية ، فإذا عاد إلى الصحو كان الاستغفار من ذلك الصحو وهو تأويل أرباب الحقيقة ، ورابعها : وهو تأويل أهل الظاهر أن القلب لا ينفك عن الخطرات والخواطر والشهوات وأنواع الميل والإرادات فكان يستعين بالرب تعالى في دفع تلك الخواطر ( و ) أبو هريرة قال : قال عمر رضي اللّه عنه في قوله تعالى : تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً [ التحريم : 8 ] إنه هو الرجل يعمل الذنب ثم يتوب ولا يريد أن يعمل به ولا يعود ، وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : هو أن يهجر الذنب ويعزم على أن لا يعود إليه أبداً . ( ز ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حاكياً عن اللّه تعالى : يقول لملائكته : « إذا هم عبدي بالحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها بعشر أمثالها وإذا هم بالسيئة فعملها فاكتبوها سيئة واحدة فإن تركها فاكتبوها له حسنة » رواه مسلم . ( ح ) روي أن جبريل عليه السلام سمع إبراهيم عليه السلام وهو يقول : يا كريم العفو ، فقال جبريل : أو تدري ما كريم العفو ؟ فقال : لا يا جبريل . قال : أن يعفو عن السيئة ويكتبها حسنة . ( ط ) أبو هريرة عنه عليه الصلاة والسلام : « من استفتح أول نهاره بالخير وختمه بالخير قال اللّه تعالى للملائكة لا تكتبوا على عبدي ما بين ذلك من الذنوب » . ( ي ) عن أبي سعيد الخدري قال : قال عليه الصلاة والسلام : « كان فيمن قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفساً فسأل عن أعلم أهل الأرض ، فدل على راهب فأتاه فقال : إنه قد قتل تسعة وتسعين نفساً فهل للقاتل من توبة ؟ فقال : لا ، فقتله فكمل المائة . ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فأتاه فقال : إنه قتل مائة نفس فهل لي من توبة ؟ فقال : نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها ناساً يعبدون اللّه تعالى فاعبده معهم ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء ، فانطلق حتى أتى نصف الطريق فأتاه الموت فاختصمت / فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة : جاء تائباً مقبلًا بقلبه إلى اللّه تعالى . وقالت ملائكة العذاب : إنه لم يعمل خيراً قط . فأتاهم ملك في صورة آدمي وتوسط بينهم فقال : قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أدنى فهو له فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد بشبر فقبضته ملائكة الرحمة » . رواه مسلم ( يا ) ثابت البناني : بلغنا أن إبليس قال : يا رب إنك خلقت آدم وجعلت بيني وبينه عداوة فسلطني عليه وعلى ولده ، فقال اللّه سبحانه وتعالى : ( جعلت صدورهم مساكن لك ) ، فقال : رب زدني ، فقال : لا يولد ولد لآدم إلا ولد لك عشرة . قال : رب زدني ، قال : تجري منه مجرى الدم . قال : رب زدني . قال : وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ [ الإسرا : 64 ] ، قال : فعندها شكا آدم إبليس إلى ربه تعالى فقال : يا رب إنك خلقت إبليس وجعلت بيني وبينه عداوة وبغضاء وسلطته علي وعلى ذريتي وأنا لا أطيقه إلا بك ، فقال اللّه تعالى : لا يولد لك ولد إلا وكلت به ملكين يحفظانه من قرناء السوء . قال : رب زدني . قال : الحسنة بعشر أمثالها . قال : رب زدني . قال : لا أحجب عن أحد من ولدك التوبة ما لم يغرغر » . ( يب ) أبو